العودة   منتديات شبكة خورة العربية > المنتديات الإجتماعية > منتدى الأسرة والمجتمع

منتدى الأسرة والمجتمع الــعلاقــأت الأســريـة وحل مشــأكـل الـمجتمـع والـطفـل

الطفل اليتيم وحقوقة في الاسلام ..

إن أطفال اليوم هم اللَّبنات الرطبة التي يُشاد على كاهلها - في المستقبل - بناءُ المجتمع، هم رجال الغد، وبقدر ما يُبذل في تربيتهم وتقويمهم، بقدر ما يكون للأُمة من

إضافة رد
قديم 02-19-2016, 02:23 AM
  #1
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2016
الدولة: لا فرق بين مصر وغيرها من البلاد العربية والاسلامية فجميعنا سواء
المشاركات: 329
معدل تقييم المستوى: 15
فارس القاهرة is on a distinguished road
افتراضي الطفل اليتيم وحقوقة في الاسلام ..

إن أطفال اليوم هم اللَّبنات الرطبة التي يُشاد على كاهلها - في المستقبل - بناءُ المجتمع، هم رجال الغد، وبقدر ما يُبذل في تربيتهم وتقويمهم، بقدر ما يكون للأُمة من مكانة وعزَّة، وبقدر ما يُهملون، فتتمكَّن من قلوبهم أساليب الانحراف، يكون للأمة من اختلالٍ وضَعْف في القوى المُوجِّهة لها، القائمة بشؤونها.واليتيم طفل من بين الأطفال، قد فقَد أباه والعائل الذي يرعاه، فقَد القلب الذي يحنو عليه، والرُّوح الذي كان يَحوطه ويرعاه، فتَقوى أعصابه، وتنمو جوارحه، ويُشرَح صدره، وتبتسم له الحياة، فَقَد بموت أبيه كلَّ ذلك، وأسلَمته المقادير إلى الكآبة وتشتُّت البال والحِرمان، فما أحوجه إلى عناية من الرؤوف الرحيم، تَنتشله من تلك الوَحدة، وتجعل له متنفسًا يُسرِّي به عن نفسه!ما أحوجه إلى تشريع حكيمٍ، ووصيَّة كريمة من ربٍّ رحيم؛ تَحفظ عليه نفسه، وتَحفظ له ماله، وتعدُّه رجلاً عاملاً في الحياة، ليس كَلاًّ على غيره، ولا عِبئًا على أُمته، ولا عنصرَ شرٍّ يَنفُث سمومه في أمثالِه الأطفالِ.لهذا كله عُنِي الإسلام - كتابًا وسُنة - بأمر اليتيم، والحثِّ على تربيته، والمحافظة على نفسه وماله، وقد ظهَرت عناية القرآن الكريم بشأن اليتيم منذ أن نزَل، إلى أن أكمَل الله دينه، وأتمَّ على المؤمنين تشريعه، ظهرت في مكيِّه حينما عاد الوحي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن فتَر عنه مدة طويلة، توجَّس الرسول منها أن يكون الله قد قَلاه وأبغَضه، فجاءه الوحي وهو في هذا التوجُّس، مؤكدًا له حُسن رعاية الله إيَّاه، وأخذ يُثبت ذلك في نفسه، ويُذكر بعناية الله له قبل النبوَّة، وهو أحوج ما يكون إلى عطف الأبوة التي فقَدها ولم يرَها؛ ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ﴾ [الضحى: 6]، ثم يطلب منه الشكر على تلك النعمة، وأن يكون شكرها - من جنْسها - عطفًا على اليتيم ورحمة به؛ ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾ [الضحى: 9].وظهرت في المكي أيضًا؛ إذ جعل الله ازدراء اليتيم وإهمال أمرِه، آيةً من آيات التكذيب بيوم الدين؛ ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [الماعون: 1 - 2]، وإذ يجعل الوصية به إحدى الوصايا العشر التي لم تُنسخ في مِلة من المِلل، ويَنظِمها مع الإيمان بالله في سِلك واحدٍ؛ ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ﴾ [الأنعام: 151]، إلى أن يقول: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152].وقد تأثَّرت نفوس القوم بهذه الوصايا المكية التي جاءت في شأن اليتيم، وصاروا من أمره في حرَجٍ وحَيْرة؛ أيتركون القيام عليه، فيَفسُد أمره، ويَختل شأنه، أم يقومون عليه ويَعزلونه من أبنائهم في مأْكله ومشربه، فيشعر بالذِّلة والمَسكنة، أم يُخالطونه، فيُعرِّضون أنفسهم لأكْل شيءٍ من ماله؟! أم ماذا يفعلون؟!التمسَت نفوسهم ما يُنقذهم من هذه الحَيْرة، ويُخفِّف عنهم عبءَ هذه المسؤولية التي ثَقُل بها كاهِلهم، وعندئذ نزل قوله -تعالى-: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ﴾ [البقرة: 220].فأفْهَمهم أن المخالطة مع العدل والإصلاح من مقتضى ما بينهم من الأخوة الإنسانية والدينية والرَّحِم.ثم جاءت سورة النساء وبرزَت فيها عناية خاصة باليتيم في شأنه كله، ومهَّدت لهذه العناية بطلب تَقْوى الله والأرحام، وبيان أن الناس جميعًا خُلِقوا من نفس واحدة؛ فاليتيم حتى وإن كان من غير أُسرتكم - أخوكم ورَحِمكم؛ فقوموا له بحقِّ الأخوَّة وحقِّ الرحم، واحفَظوا أمواله، وهذِّبوا نفسه، واحذَروا اغتيالها وأكْلها، واحذروا إهماله وإلقاء حبْله على غاربه، وفي ذلك يقول الله -تعالى-: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 2]، ويقول: ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [النساء: 6].هذا بعض ما نقرأ في القرآن من وجوه العناية باليتيم - في ماله وتربيته وتهذيبه - وقد ورَد في الهدي النبوي الشيءُ الكثير من العِدَة برفْع الدرجات فيما يختص بكفالة اليتيم، والقيام بحقه وواجبه، وحسْبُ مَن كفَل اليتيم ورعاه، وقام بوصايا الله فيه، أن يكون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة صاحبًا وقرينًا، يتمتَّع بما فيها من النعيم، كما متَّع اليتيمَ برعايته، وحُسن معاملته، والإشراف عليه؛ ((مَن عال ثلاثة من الأيتام، كان كمَن قام ليله وصام نهاره، وغدا وراح شاهرًا سيفَه في سبيل الله، وكنت أنا وهو في الجنة إخوانًا، كما أن هاتين أُختان))، وألصَق السبَّابة بالوسطى"، ((خيرُ بيتٍ في المسلمين، بيتٌ فيه يتيم يُحسَن إليه، وشرُّ بيتٍ في المسلمين، بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه)).أما هذه الأم التي مات عنها زوجها، وهي ذات منصب وجمال، وترَك لها أيتامًا، فتَأَيَّمت عليه، وحبَست نفسها على خِدمتهم، حتى تغيَّر لونها، وانطَفأ جمالها، ونسِيت وسائل الزينة ومظاهر الجمال في سبيل هَيْمنتها على الأيتام، وفي سبيل تربيتهم والمحافظة عليهم، أما هذه السيدة، فحسْبها مكانةً عند الله، قولُ الرسول - عليه الصلاة والسلام -: ((أنا وامرأة سَعفاء الخَدَّين - مُتغيِّرة اللون - كهاتين يوم القيامة))، وأشار بالسبَّابة مع الوسطى؛ يريد أنها بجانبه مُلتصقة به، لا يَفصل بينهما في الجنة شيءٌ".هذا هو إرشاد الله ورسوله في تهيئة اللَّبنات التي تبني المجتمع الإسلامي، والتي يشاد عليها صَرْحه، فيرتفع بناؤه ويَعظُم ظله، وتَكثر ثماره، فيا أيها الأعمام، ويا أيها الأوصياء، كونوا في الإشراف على اليتامى في حذرٍ من غضب الله، واعلموا أن إهمال اليتيم لا يقف ضرره عند اليتيم، بل هو ضرر تتفشَّى جراثيمه، وتنتشر سمومه في جسم الأمة كلها، فيَعتريها الضَّعف والانحلال، وتَبوء بالخِزي والدمار، وشر بيتٍ - كما يقول الرسول - بيتٌ فيه يتيم يُساء إليه، والأمة بيت، فشر أُمةٍ أُمةٌ فيها يتامى يُساء إليهم، فيُهمَل أمرهم، وتَفسُد أخلاقهم، وتَنقطع صِلتهم بخالقهم، ويكونون لَبناتٍ هزيلة في بناء الأمة، فتَسقط من عَليائها، وتُصبح أثرًا بعد عينٍ.إن الدهر قُلَّب، والناس في سفينة تتقاذَفها أمواج الحياة ترفعها تارة وتَخفضها أخرى، ولا عاصم إلا من رحِم الله، ولا يرحم الله إلا من امتثَل أمره، واتَّبع هداه، ومن كان تحت يده يتيم، فليذكر غَيْرة الله على اليتيم، وليذكر أن ما نزَل بغيره، فترَك أولاده أيتامًا، قد يَنزل به، فيترك أولاده هو الآخر أيتامًا؛ ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 9 - 10].


عباد الله:
من مقادير الله أن يقدِّر على بعْض الرِّجال الوفاة، فيترُك خلْفه أولادًا صِغارًا فيتيتَّمون بفقْد أبيهِم، فهُم في حال ضعْفٍ وحاجةٍ؛ فلذا اعتنَى بهم الشَّارع وشرَع من الأحكام ما يضمن لهم حياةً كريمة آمِنة؛ حتَّى يعيشوا كغيرِهم، والكلام في أحْكام اليتيمِ يَطول، لكنِّي سأذْكُر أهمَّ المسائل في نظري، لكن قبل الدُّخول في هذه المسائل لا بدَّ أن نعرف: مَن هو اليتيم؟

فاليتيم في الشَّرع: هو مَن مات أبوه وهو دون البلوغ، وبعد البلوغ لا يسمَّى يتيمًا؛ فعن حنظلة المالكي - رضِي الله عنه - قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((لا يُتْمَ بعد احتِلام، ولا يُتْم على جارية إذا هي حاضت))؛ رواه الطبراني في الكبير (3502)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/226): رجاله ثقات.

فلفظ اليتيم الوارد في الكتاب والسنَّة يُراد به مَن مات أبوه وهو لَم يبلُغ - من الذُّكور والإناث - الحُلُم.

ففقْد الأبِ أعْظَمُ من فقْد الأمِّ؛ فالأب هو الولِي على أوْلادِه، فعليْه واجب التَّربية، وحِفْظهم ودفْع الأذى عنْهم، وتَجب عليه نفقتُهم ومسكنهم وكسوتُهم، وغير ذلك من الحقوق التي تَجب للأولاد على أبيهم، بخلاف الأمِّ؛ فالحاجة إليْها حاجة حنان ودِفْء عاطفي، والحاجة إليْها قبل أن يستقلَّ الصَّغير بنفسِه أكثر حتَّى يبدأ في الاعتِماد على نفسه.

كفالة اليتيم من أعظَمِ القُرب ومن أسباب دخول ومُرافقة النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في الجنة؛ فعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((أنا وكافل اليتيم في الجنَّة هكذا)) وأشار بالسبَّابة والوُسْطى وفرَّج بينَهُما شيئًا؛ رواه البخاري (5304).

فكافِل اليتيم مع النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في الجنَّة وبحضرتِه، غيرَ أنَّ كلَّ واحد منهما له درجتُه الخاصَّة به؛ إذ لا يبلُغ درجة الأنبِياء غيرُهم؛ ولهذا فرَّج النَّبيّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بين السبَّابة والوسْطى، والله أعلم، فيُفْهم من الجمع بيْنهما المعيَّة والحضور، ويُفْهَم من التَّفريج التَّفاوت؛ فكلُّ واحدٍ منهُما بِمنزلته ودرجتِه.

والمراد بكافِل اليتيم القائم بأُموره، من نفقةٍ وكسوةٍ وتأْديب من مال الكافِل، وكذلك تربيته وحضانته، وغير ذلك ممَّا يحتاجه اليتيم حتَّى يبلغ، فكفالته تكون بضمّ كافِله معه في بيته، والقيام بمصالحه، سواء كان اليتيم قريبًا له - كأن يكون الكافل جدًّا أو جدَّة أو أمًّا، أو عمًّا أو عمَّة، أو خالاً أو خالةً، أو غيرهم من الأقارب - أم كان الكافِل أجنبيًّا عن اليتيم؛ فعن أبِي هُرَيْرة قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((كافِل اليتيم - له أو لغيره - أنا وهو كهاتَين في الجنَّة، وأشار بالسبَّابة والوُسْطى))؛ رواه مسلم (2983).

وكذلك يدخُل في كافل اليتيم كفالة الأيْتام عن طريق الجمعيَّات الخيريَّة الموثوقة، بحيث يدفع أموالاً ينفق بها على اليتيم، ويربَّى حتى يبلغ، ففي فتاوى اللجنة الدائمة (14/292) برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز: "مَن يكفل يتيمًا عن طريق المؤسَّسات الخيريَّة والهيئات الإغاثيَّة الخيريَّة الموثوقة، الَّتي تقوم برعاية اليتامى والعناية بهم، من كسوة وسُكْنى ونفقة وما يتعلَّق بذلك، فإنَّه يدخل تحت مسمَّى كافل اليتيم - إن شاء الله - ويحصُل على الأجْرِ العظيم والثَّواب الجزيل المسبِّب لدخول الجنة … لكن كلَّما كان اليتيم أشدَّ حاجة، وقام مَن يكفُلُه برعايته، والعناية به بنفسِه في بيتِه، فإنَّه يكون أعظمَ أجرًا، وأكثر ثوابًا ممَّن يكفله بِماله فقط.

وهل يدخل في كفالة اليتيم مَن يربِّي اليتيم ويُنفق عليه من مال اليتيم؟فمثلاً بعض النَّاس يتوفَّى قريبه - كأخيه - ثمَّ يتزوَّج زوجته ويقوم بحضانة أبناء أخيه وتربيتهم؛ لكنَّه ينفق عليهم من المال الَّذي يأتيهم من قِبَل أبيهم، من معاش تقاعدي أو إرث، ولا ينفق عليهم من ماله الخاصِّ، فهل هذا داخل في كفالة اليتيم؟

أترك الجواب للعالِم الورع النَّووي - رحِمه الله - حيث قال في "شرح مسلم" (18/151): "كافِل اليتيم القائم بأمورِه، من نفقة وكسْوة، وتأْديب وتربية، وغير ذلك، وهذه الفضيلة تحصُل لِمن كفله من مالِ نفسه أو من مال اليتيم بولاية شرعيَّة". اهـ.

والواجب على مَن يلي أمْوال اليتامى ألا يتصرَّف فيها إلاَّ إذا كان في ذلك مصلحة لليتيم؛ لقولِه تعالى: **وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]، فيسعى الوليُّ في تنمية مال اليتيم بالتِّجارة التي ليْس فيها مخاطرة، ويبتعد عن المعاملات المحرَّمة أو الَّتي فيها شُبَه.

ويَحرم عليْه إقراض مال اليتيم، سواء اقترضها هو أو أقْرَضها غيرَه؛ لأنَّ الإحسان للآخَرين حسَنٌ؛ لكن تنمية مال اليتيم أحْسَن من ذلك، فالواجب على الولي عمَل الأصلح لليتيم؛ كما قال ربُّنا - تبارك وتعالى -: **وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220].

ومن أعْظم الذُّنوب: التَّفريط في أموال اليتامى، والتَّسبُّب في ضياعِها، سواءٌ كان بعدم حفظها أم بِعَدم المطالبة بها، أم أكل أموالِهم التي ورِثوها، أو ما يأتيهم من بيت مال المسلمين أو من المسلمين؛ **إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

وكذلك من يتعرَّض لعقار الأيتام ويستولي عليْها بغير حق، فهو داخل في عموم قول النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مَن أخذ شبرًا من الأرض ظُلْمًا فإنَّه يطوَّقه يوم القيامة من سبع أرَضين))؛ رواه البخاري (2452) ومسلم (1610)، بل الاعتداء على عقار اليتامى أشدُّ ذنبًا من الاعتِداء على عقار سائر المُسْلِمين.

وليس مِن أكل أموال اليتامى خلْط مالهم بمال كافلهم للحاجة؛ فلما نزل قوله تعالى: **إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]، شقَّ ذلك على المسلمين، وعزلوا طعامهم عن طعام اليتامى؛ خوفًا على أنفسهم من تناولِها، ولو في هذه الحالة التي جرت العادة بالمشاركة فيها، وسألوا النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - عن ذلك، فأخبرهم أنَّ المقصود إصلاح أموال اليتامى، بِحفظها وصيانتها، والاتِّجار فيها، وأنَّ خلطتهم إيَّاهم في طعام أو غيره جائزٌ على وجه لا يضرُّ باليتامى؛ لأنَّهم إخوانكم، ومن شأن الأخ مُخالطة أخيه، والمرجِع في ذلك إلى النيَّة والعمل، فمن علم الله من نيَّته أنَّه مصلح لليتيم، وليس له طمعٌ في ماله، فلو دخل عليْه شيء من غير قصْد لم يكن عليه بأس، ومن علِم الله من نيَّته أنَّ قصده بالمخالطة التوصُّل إلى أكلها وتناولها، فذلك الذي ورد فيه الوعيد؛ فعَن ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: "لمَّا نَزَلَتْ: **وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، عَزَلُوا أَمْوَالَ اليَتَامى حَتَّى جَعَلَ الطَّعَامُ يَفْسُدُ واللَّحْمُ يُنْتِنُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ للنَّبيِّ - صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم - فنَزَلَتْ: **وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ} [البقرة: 220]، قال: فخَالَطُوهُمْ"؛ رواه الإمام أحمد (2993) وغيره بإسناد حسن لغيره.

عبادَ الله، كما أنَّ كلَّ إنسان يسوءُه أن يتعرَّض لأولاده الصغار بسوء، من أكل مال أو تفريط فيه أو غير ذلك، فكذلك يجب على ولي اليتيم أن يتَّقي الله في مال اليتيم، فيعمل فيه ما يحب أن يُعْمَل في أموال أولاده الصِّغار بعد وفاته؛ **وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا} [النساء: 9]، فمن اتَّقى الله في أموال اليتامى وغيرها، حفِظ الله ذرِّيَّته بصلاحه بعد وفاته؛ **وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} [الكهف: 82]، فحُفِظ مال الغلامين بسبب صلاح أبيهما.

وإذا كان التعرُّض لمال اليتيم بسوء كبيرةً من كبائر الذُّنوب، فالتعرُّض له بالأذى من ضرْبٍ وشتم ونَحوه أشدُّ حرمة، فيحْرُم إذلال اليتيم والتَّسلُّط عليْه، والتَّعرُّض له بشيء يسوءه بغير حق؛ **فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} [الضحى: 9]، والنهي عن قهْرِه أمر بالإحسان إليه وإدْخال السُّرور عليه.

لكنَّ اليتيمَ يَحتاج إلى تربية وتأديب، وعلى كافله أن يحرِص على توجيهه ونفعِه من غير عقاب حسِّي أو معنوي، لكن لو رأى كافلُ اليتيم أنَّ من المصْلحة معاقبة اليتيم معاقبةً بدنيَّة ليكفَّ عن سلوك غير مرْضي، أو ليدرِّبه على طاعة، فيجوز في حدود الأدَب من غير ضررٍ؛ لعموم قولِه تعالى: **وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]، فيصنع معه ما هو صانع مع ولدِه، وكذلك المعلِّم له ضرْب اليتيم للمصلحة، وقد أمر النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بتأديب الصِّغار بالضَّرب على ترْك الصَّلاة، فيدخل فيهم اليتيم، والله أعلم.

وإذا كان وصْف اليُتْم يبقى إلى البلوغ، فكذلك الولاية عليْه، فإذا بلغ اليتيم عاقِلاً فقد زال عنه وصْف اليُتْم، فلا ولاية لأحدٍ عليْه، لكن يشترط في دفْع المال إليْه أن يُعْلَم منه حسن التصرُّف في المال، وعدم إفساده؛ وذلك باختباره ومراقبة تصرُّفه في المال؛ قال تعالى: **وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6]، أمَّا إذا كان لا يحسن التصرُّف في المال، فيسرف فيه أو يضيِّعه فيما حرَّم الله، فلا يدفع له المال ولو كان كبيرًا؛ كما أمر ربُّنا - تبارك وتعالى - في قولِه: **وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [النساء: 5]، لكن يتلطَّف الولي معه في الرَّدِّ جبرًا لخاطره، وهذا معنى قولِه تعالى: **وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا}.

في الختام
ابْنَنا اليتيم، إن كنت فقدت أباك، فمَن حولك من الآباء هم بمثابة آباءٍ لك، فالجأ لهم بعد الله فيما يُشْكِل عليْك، ويكدِّر صفو حياتك، واعلم أنَّ اليتم ليس معوقًا، وليس سببًا في الفشَل، فسيِّد الخلق محمَّد بن عبدالله نشأ يتيمًا فقَدَ أبويْه، نشأ من غير أب وأم، فتولاَّه الله وحفِظَه، فاحفظ الله يَحْفَظك ويُيَسِّر لك الخير.
آخر مواضيعي 0 من المسؤل عن تدني مستوى التعليم في الوطن العربي
0 وصايا للأسرة المسلمة
0 من نفَّث عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا ..
0 صحة حديث( اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَب، وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ )
0 غياب الأب عن البيت وضياع الأبناء
0 مهارات تجعل ابنك متفوقا بين الجميع
0 قبل أن ترفع يدك على أولادك ( قصة وعبرة)
0 الخلاف بين الوالدين وأثره على الأبناء
0 النصائح العشر للآباء في استخدام أبنائهم للإنترنت
0 حكم إجبار المرأة على الزواج
فارس القاهرة غير متواجد حالياً  
رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
دائما يقللون من الطفل العربي اذا شوف الطفل الاجنبي واحكموا ..... شهد عالم الغرائب والعجائب والطرائف 0 11-26-2014 12:25 PM
واحسرتآه على اليتيم وسونه المنتدى العام 9 07-03-2014 09:07 PM
انا مثل اليتيم الي هموم القلب يخفيها ولهان خورة قسم الشعر وهمس القوافي (يمنع المنقول ) 2 09-22-2009 09:32 PM
هل( اليتيم ) !! شاركونا باأرائكم وحيد بغربتي قسم الحوار الجاد 4 11-12-2008 07:27 PM


الساعة الآن 06:13 AM.



Search Engine Friendly URLs by vBSEO 3.6.1