إنها الفرصة الأخيرة
د. محمد جبر بن جبر
أخي الرئيس قبل الأحداث الدامية ليوم الجمعة كنت أشعر بأن المعارضة متحاملة عليك ووصل كرهها لحكمك وعدم الثقة في وعودك إلى درجة أنهم لا يريدونك أن تكمل فترة حكمك ومن ثم تسليم السلطة سلمياً عبر انتخابات ديمقراطية للرئيس المنتخب، حتى وإن كان من المعارضة. لايريدون أن يكتب لك بأنك أول رئيس عربي يسلم الحكم عبر انتخابات ديمقراطية، وجنب شعبه حروب أهلية كما هو حاصل في ليبيا، لايريدون ان يكتب لك بأنك الرئيس العربي الذي فتح الطريق لبقية رؤساء وملوك العرب لتسليم السلطة سلمياً. كنت أشعر أنه من حقك إكمال فترتك الرئاسية لأنه ليس من مصلحة اليمن أن يتم تغيير الرؤساء عن طريق مظاهرات شعبية، فأي رئيس منتخب لن يستطيع تحسين الوضع الاقتصادي للشعب خلال سنتين أو أربع. فهل الحل إقامة مظاهرات جديدة والمطالبة بتغيير الرئيس؟
أخي الرئيس: قبل الأحداث الدامية ليوم الجمعة كانت الأغلبية الصامتة تحملك المسئولية في تأزم الموقف في اليمن كونك قدمت مبادرات في مصلحة الوطن ولكنك لم تعززها بفصل أبنائك وأقربائك من مقاليد الجيش حتى تثق بأنك صادق في تسليم السلطة سلمياً. كما كانت تحمل المعارضة نفس المسئولية في إصرارها على إنهاء فترتك الرئاسية هذا العام بدلاً من الإصرار على تسليم الجيش لقيادات وطنية تضمن تنفيذ بنود مبادرتك التي كانت تطالب بها المعارضة.
أما بعد الأحداث الدامية ليوم الجمعة فالصمت أصبح لايطاق وحل محله الغضب من رؤية المناظر التي تدمي الصخر فما بالك بالإنسان. ألم تفكر بأن هؤلاء القتلى لهم أمهات وآباء وزوجات وبنين سيبكونهم أياماً وليالي؟ ألم تتخيل أن الإعلام سينشر هذه الصور وسيرى كل مواطن في القتيل ابنه أو أبيه أو أخيه وتثور حميته لمقتل هؤلاء الأبرياء.
أخي الرئيس لقد خانتك حنكتك ومستشاريك هذه المرة. لقد نسيت بأنك حكمت اليمن 33 سنه بالمداراة والملاينة وشراء الولاءات بالمال والمناصب. أما اليوم فقد تمددت وكثرت مراكز القوى بعد الوحدة وقل المال لإرضائهم جميعاً, والابناء والاقارب كبروا وتوسعوا على حساب مراكز القوى القديمة، وأبناء القبائل درسوا وتعلموا وتوافقت طموحاتهم مع طموحات أبناء المدينة في وظيفة وحياة كريمة فأصبح من الصعب شراء ولائهم بمجرد شراء ولاء شيخ القبيلة. ألم تستوعب بأن الجيش عنده احتقان شديد من رؤية شباب من أبنائك وأقربائك يقودون أو يقصون قيادات الجيش ذوي الخبرات الطويلة والتضحيات الجسيمة؟ ألم تستوعب هذا من تصفيق قيادات الجيش الحماسي عندما أعلنت عدم ترشيحك أو ترشيح ابنك للرئاسة؟ ألم تستوعب بأن ثورة الاتصالات مكنت الشعوب المضطهدة من نقل معاناتها للشعوب الحرة وأصبح قادة هذه الدول الحرة في حرج في الاستمرار في دعم هذه الأنظمة الاستبدادية؟ ألم تستوعب من ثورة تونس ومصر بان الشعوب العربية لم تعد تملك ما تخاف عليه ان ماتت في مقاومة ظلم الحكام وانها قادرة على تغيير الانظمة الفاسدة؟ الم تستوعب بان القبائل هم من أنهى حكم الأمام والسلال والارياني والحمدي وهم من ابقاك 33 سنه واليوم هم في صف الشعب ضد حكمك؟
إن أكبر ضرر تسببت فيه ليس الفساد المالي وإهدار خيرات البلاد ولكن قتل همم الشباب حتى أصبح أكثرهم محبط وأقصى أمله أن يهاجر. والشعب أصبح عاجز عن أي إبداع بسبب عدم عدالة فرص النجاح, بينما المقربين والمسئولين تتوفر لهم جميع التسهيلات للنجاح المشروع وغير المشروع. انك لن تستطيع النهوض باليمن لأنك لم تعد تملك المصداقية في شحذ همم الشباب للإبداع و للتضحية من أجل الوطن حتى يتمكن من النهوض اقتصاديً. ماذا تريد من حكم دولة وشعب مصنف من أفقر الشعوب العربية، نسبة البطالة فيه تجاوزت 40%، وفي المرتبة 166 من 174 دولة في الدخل القومي للفرد، نصف الشعب يعيش تحت الفقر، من أكثر الشعوب خصوبة ونمو سكاني، 75% من الشعب تحت عمر 25 سنة، النفط يوفر 75 الى 90% من الدخل للحكومة ويتوقع نضوبه خلال 10 إلى 20 سنة، والماء في نضوب مستمر.
أخي الرئيس ماذا تريد بعد هذا كله فهذه هي إنجازات 33 سنه من حكمك. لن تستطيع الاستمرار فلقد خسرت كل عوامل البقاء وأصبح كرسي السلطة من نار يرهق منامك ويتسبب في اتخاذك قرارات ضيقة الأفق قد تؤدي إلى نهاية مأساويه. لقد أحرقت جميع الكروت ولم يتبقى إلا كرت أبنائك وأقربائك فلاتكن كالمقامر المدمن على القمار حتى يضيع كل شيء الوطن والأهل. أرجو منك أن تقدم اعتذارا صادقا للشعب وضحايا ميدان التغيير ومن بعد ذلك سلم السلطة لقيادات مدنية وعسكرية وطنية حتى قيام انتخابات وتسليم السلطة للرئيس المنتخب. وأتمنى أن يكون الشعب كريماً في العفو عن غلطة الجمعة ومعاملتك كرئيس سابق له محاسنه وأخطائه واكبر محاسنه تجنيب البلاد المزيد من إراقة الدماء وتسليم السلطة عبر انتخابات ديمقراطيه.