
الساميون في شبه الجزيرة العربية
الساميون في شبه الجزيرة العربية
عرفنا مما سبق أن شبه الجزيرة العربية تعتبر مهد الجنس السامي، وأنها كانت تمثل خزانًا بشريًّا هائلاً يفيض كلَّ بضعة قرون، فيُلقي إلى حدوده البعيدة بمجموعات من المهاجرين أو المستوطنين الجدد، وقد رأينا منهم في العراق القديم الأكديين والأموريين والأراميين، ورأينا منهم في سوريا الكبرى وما حولها الكنعانيين والأموريين والأراميين بجانب المديانيين والموءابيين والعمونيين وغيرهم.
على أن هناك شعوبًا سامية أخرى بقيت في شبه الجزيرة العربية - الوطن الأم - وتركت آثارًا ونقوشًا تشير إلى بقايا حضارة قديمة، وفي هذا يقول موسكاتي: "ابتداءً من حوالي القرن الخامس قبل الميلاد بدأ يظهر على الحوائط الصخرية في شبه الجزيرة العربية آلافٌ من النقوش، هي عبارة عن كتابة للغة الشمال، مستخدمة حروف لغة الجنوب العربي؛ ذلك أن كلاًّ من اللغة والحروف التي تكتب بها تختلف نوعًا ما من مكان إلى آخر، إلا أنها تكون بوجه عام وحدة مترابطة.
وتؤكد الاكتشافات الحديثة ذلك، وخاصة بعثة ريكمنز، وتُعرَفُ هذه النقوش المنتشرة في وسط شبه الجزيرة العربية وشمالها بالنقوش الثمودية؛ وذلك نسبة إلى قبيلة ثمود التي تكلم عنها القرآن، وكما هو مذكور ضمن هذه النقوش ذاتها.
ولقد أدَّتْ سَعَة انتشار النقوش الثمودية في شبه الجزيرة العربية إلى قيام حوار بين العلماء عما إذا كانت ثمود قبيلة واحدة، أم مجموعة من القبائل تحمل ذلك الاسم وتستخدم تلك اللغة؟
وعلى أي حال، فإن انتشار النقوش الثمودية على تلك الصورة إنما يدل على وجود وحدة ثقافية وفكرية سادت بين قبائل تلك المناطق لفترة من الزمن[1].
ويذكر فيليب حتى ما هو معروف من تقسيم عرب شبه الجزيرة إلى فرعين، هما:
أولاً: العرب البائدة: ومنهم عاد وثمود، وقد ورد ذكرهما في القرآن.
ثانيًا: العرب الباقية.
وثمود قوم عرفهم التاريخ؛ فقد ذكرتهم الخطوط الإسفينية في مدونات سرجون الثاني، وعرفهم أيضًا كتاب اليونان والرومان باسم ثموداي، والتحق بجيش بيزنطة في القرن الخامس للميلاد فيلق من الخيالة الثمودية، أما بنو عاد فقيل: إنهم سكنوا حضرموت القديمة.
ثم يعود النسابون فيقسِّمون العرب الباقية إلى دوحتين مختلفتين: العرب العرباء أو العاربة (عرب الجنوب)، والعرب المستعربة أو المتعربة (عرب الشمال).
فالعرباء في رأيهم: هم أهل اليمن، الذي نسلوا من قحطان، وهم سكان البلاد الأصليون.
أما المستعربة: فالحجازيون، والنجديون، والأنباط، وأهل تدمر، وجمعيهم من سلالة عدنان، وهو من سلالة إسماعيل[2].
ويقول سيديو: "استقر بنو قحطان باليمن، فأقاموا دولة سبأ ودولة حِمْيَر...
وكان أهل المدن في اليمن يتكلمون بلغة حِمْيَر التي تعلمها بنو قحطان من أجدادهم، وكان ظهور العرب المستعربة بعد بني قحطان بزمن طويل.
ومما يروى أنه أُوحي إلى إبراهيم أن يقيم في مكة معبدًا مقدَّسًا، فغادر سوريا ممتثِلاً أوامر الله القادر، وهبط إلى بلاد العرب، حيث بنى الكعبة التي غدت محل تعظيم العرب مدة طويلة، وأوجبت أعمال البيت إقامةَ الأب إبراهيم بالحجاز عدة سنوات، وأعانه عليها ابنه إسماعيل.
وإذا عدوت بني قحطان وبني إسماعيل، وجدت بلاد العرب تشتمل في غابر الأزمان على بقية من العروق الفطرية، تغشى أخبارَها طبقةٌ كثيفة من الغموض.
وكل ما يعلم أو يفترض (وهو فرض ضعيف لم يُقطَعْ بصحته) هو أن قوم عاد جابوا - غالبين - بقيادة شداد ولقمان بلادَ العراق والهند قبل الميلاد بأكثر من ألفي سنة، واستولَوْا على مصر في ذلك الحين باسم الرعاة أو الهكسوس.
ويظهر أن العمالقة الذين يعدون من فصيلة الهكسوس قد انتشروا في العصور الخالية في جميع أجزاء بلاد العرب، وكانت خاتمة الطواف أن تجمَّعوا في شمال جزيرة العرب مع الأدوميين والموءابيين والعمونيين، واستولوا على سهول بلاد الحجر العربية، وعلى سهول بلاد العرب الصحراوية المجاورة لفلسطين وسورية ودمشق، فحالوا دون دخول العبريين (الإسرائيليين) أرض كنعان"[3].
[1] المرجع 17 - ص 125 - 126.
[2] المرجع 3 - ص 39.
[3] تاريخ العرب العام - للمستشرق الفرنسي سيديو - المرجع رقم (2) - ص 23 - 35
رابط الموضوع: ط§ظ„ط³ط§ظ…ظٹظˆظ† ظپظٹ ط´ط¨ظ‡ ط§ظ„ط¬ط²ظٹط±ط© ط§ظ„ط¹ط±ط¨ظٹط©