منتديات شبكة خورة العربية

منتديات شبكة خورة العربية (http://www.khorh.net/vb/index.php)
-   منتديات شبوه (http://www.khorh.net/vb/forumdisplay.php?f=39)
-   -   لحج عبر الزمن (http://www.khorh.net/vb/showthread.php?t=83932)

طفل المعجزة 05-03-2012 08:08 PM

لحج عبر الزمن
 
وادي تبن - وادي لحج - : تبدأ تسمية وادي تبن مُنذُ بلوغه مخلاف لحج بعد أن تصب فيه روافد متعددة في مسيرته ، وهو اسم يطلق على كثير من أجزائه ومنعطفاته في المرتفعات الشمالية ، ويطلق عليه الأهالي في لحج - الوادي الأعظم - بعد أن يتحد مع وادي ورزان فوق العند وقبل أن يتفرع إلى فرعين تحت قرية الزايدة الواقعة شمال مدينة الحوطة ويطلق اسم حوض وادي لحج أو الدلتا على الأراضي الواقعة بين هذين الفرعين وهما الوادي الصغير ويعرف بـ عُبر لزان أو وادي لزان ، ويمر بمنطقة العماد - شمال شرق الشيخ عثمان في عدن - قبل أن يصب في ساحل أبين ، أو تتحول مياهه إلى بحر عدن في حالات الفيضانـات ، أما الوادي الكبير الذي يبدأ بالانفصال في منطقة على بعد ( بضعة أميال ) جنوب قرية الزايدة فيصب في بحر عدن بالقرب من الحسوة .chemas-microsoft-com:office:office" />لقد حدد " الهمداني " في كتابه " صفة جزيرة العرب " مسار وادي تبن من منابعه في محافظة أب، حتى ساحل عدن ، ذاكراً القرى والمواقع التي تقع في مساره من محافظة إب حتى ساحل عدن ، إضافة إلى الروافد التي تصب فيه أثناء سيره وتتحد معه ، ولكنه كما يقول الأستاذ " عبد الله محيرز " في كتابه " العقبة " : (( لا يذكر - وكذلك غيره من الكتاب المحدثين - أي شيء عن أي انفصال له يكون فرعين كما هو الحال في الوقت الحاضر ، ولا يجد الباحثون أية صعوبات في تحديد المواقع التي ذكرها " الهمداني " على وادي تبن من منابعه حتى يصل الرعارع ، ولكنهم يجدون صـعـوبـة بالغة في تحديد المستوطنات التي قامت عليه ما بين مدينة الرعارع ومدينة عدن ، والتي حددها " الهمداني " مثل فور ، والغبراء قبل أن يصل إلى ساحل عدن ، بل لا يوجد أي أثر حالياً لأسماء مواقع عُرفت قبل ( القرن التاسع الهجري ) عدا مدينة الرعارع ، وبني أيبة ، والعماد ، والرباك ، وإن ازدحم الآن بأسماء لقرى صغيرة ومستوطنات كالفيوش والمحلة والمجحفة ، والتي لا تشير إليها كتب التراث قبل ذلك القرن مطلقاً ، ويتميز حوض وادي لحج بتربته الخصبة ؛ حتى في أجزائه المتصحرة ؛ حيث يحتوي على رواسب غرينية جرفتها السيول من أعالي الجبال عبر قرون طويلة .

لقد مثل وادي لحج مسرحاً للعمليات الحربية مُنذُ العصور المبكرة من تاريخ الحضارة اليمنية حيث أن أول اجتياح لهذا الوادي قام به المكرب السبئي " كرب إل وتر بن ذمار علي " في ( القرن السابع قبل الميلاد ) كما جاء في نقش النصر ، الذي احرق ودمر وادي تبن وقراه ، وهكذا ظل هذا الوادي مسرحاً للأحداث حتى العصر الحالي ، أدت تلك الأحداث في الفترات المتأخرة إلى تحولات سكانية حيث انتقلت قبائل من أبين في عام ( 923 هجرية ) إلى أعالي وادي لحج وسيطرت على قراه ، فاستقرت عشيرة الهياثم في بني إيبة العليا ، وأقامت أسرة آل أيوب وهي أسرة من العجالم من دثينة في مدينة الرعارع ، وهناك عائلات استقرت في الحمراء ، وبعدها استقر الوضع في وادي لحج وامتزجت القبائل مع غيرها من يافع والأصابح وبقية القبائل الصغيرة الأخرى ، وانتشر الأمان والاستقرار الذي خلف سمات حضارية وفناً متميزاً لتلك الفترة .

ويتميز وادي لحج بتغيير مساراته من مدينة الرعارع إلى بحر عدن ، وهذه الميزة تبعد الغرابة عن تلك المستوطنات التي اختفت ، والتي اختفت معها أسماؤها وأمتحت من ذاكرة البشر ، فلا مبرر لبقاء قرية تعتمد على مصدر ماء تحول أو حوّل عنها ، كما حدث لمدينة الرعارع مثلاً ، فما هي إلاَّ أن تهزل وتصغر وتصبح أطلالاً بعد حين ، ولا غرابة أن يمتلئ حوض وادي لحج ما بين فرعيه بالمجاهيل كما يسميها الأهالي هناك ، وهي التلال أو الأكمات التي تظهر على سطحها شقافات من الفخار إذ يُعتقد أنها آثار للأقوام القديمة لعصور ما قبل الإسلام ، وإلى جانب تلك المجاهيل الأطلال والمستوطنات الخرائب الأثرية ومجمعات لمصانع الآجر والزجاج ، وهي التي تغير حالها بعد تغير مجرى الوادي وبعده عنها ، وعلى حد قول الأستاذ " عبد الله محيرز " ، تقع في حوض وادي لحج أهم موارد المياه لعدن مُنذُ القدم إذ تنتشر فيه الآبار بكثافة من قرية العماد شرقاً إلى بير أحمد غربـاً ؛ بما في ذلك " الشيخ عثمان " و " بير ناصر " و " بير فضل " و" قرية الوهط " و " قرية الدرب " ، وتنتشر في هذه المنطقة المزارع والبساتين والأحراش الكثيفة من السمر والعوسج والعشر والأثل ، وقد نشأت مستوطنات اعتمدت على هذه الموارد الطبيعية من ماء ووقود نباتية لصناعة الخزف والآجر والزجاج وتبدو مخلفات تلك الصناعات المنتشرة في المواقع الواقعة ما بين " كود امسيلة " و " العماد " ، على سطح وجوانب الأكمات دليلاً على تلك الأثار العريقة وتغطى عليها شقاف الفخار مما جعل مناظرها تميل إلى الحمرة لتمتد ( عدة كيلومترات ) .

ولكن سادت فترات صراع تاريخية عدم فيها الاستقرار ومنها فترة أفول الدولة الطاهرية وتقهقرها ونشبت بدلاً عنه الحروب التي من مخلفاتها استبدلت بعض مستوطنات بأخرى ، نتيجة انتقال الناس من قراهم المعرضة للنهب من القبائل المُعادية إلى مواضع يطلق عليها الأهالي اسم حوط ، بسبب وجود أضرحة فيها لأولياء صالحين ، والحوطة مكان يقيم فيه الناس يتميز بحرمته ، إمَّا لوجود أضرحة فيه أو لكثرة مدارس العلم فيه ، وقد كانت القبائل المعادية تتحرج من دخول هذه الحوط احتراماً للأولياء المقبورين فيها ، وذكر الأستاذ " بامخرمة " مثلاً لذلك بقوله (( انتقلت عشيرة غالب آل لحج إلى " حوطة الشيخ بلجفار " ، ـ وهي الآن المركز الإداري لمحافظة لحج – وقليل منهم انتقلوا إلى مدينة عدن وقرية الوهط ، وهكذا ظهر نظام الحوط في وادي لحج لضمان الأمان والاستقرار ، وانتشرت في طول الوادي وعرضه مثاوي شبيهة بها وهي وإن لم تكن تسمى بهذا الاسم كالوهط والحمراء إلا أن قراها تجاورها أضرحة لأولياء صالحين ومساجد مقامة حولها ، واكتسبت نفس الحرمة ، مثل حوطة سفيان أو حوطة بلجفار وازدحم - أيضاً - وادي لحج بالمستوطنات والقرى مثل جلاجل ، وصبر ، والحمراء ، والمحلة ولا يعرف تاريخ اختطاطها .

ومن أهم المواقع الأثرية والتاريخية والسياحية في وادي تبن هي :

1- دار العرائس : تقع شمال مدينة الحوطة على بعد حوالي ( 21 كيلومتراً ) تقريباً على الضفة الغربية لوادي تبن ، ويشتمل الموقع على خرائب لقصر عثماني بني في فترة تواجد العثمانيين - الأتراك - في منطقة لحج ، والقصر على شكل مستطيل أبعاده ( 40 × 16.5 متراً )، وقد أقيم ذلك القصر على خرائب موقع قديم يعود تاريخه إلى فترة ما قبل الإسلام ، تظهر منه بقايا جدار في الجزء الشرقي من القصر ، ويتكون من خمسة صفوف بنيت بطريقة محكمه ، وبأحجار مهندمة ، يمتد ذلك الجدار من الشمال إلى الجنوب ، ويبلغ طوله حوالي ( 7.5 متراً ) يتعامد على جدار آخر شرقي طوله ( 4.35 متراً ) ، وأعلى ارتفاع لبقايا ذلك الجدار حوالي ( 4,14 متراً ) ، ويظهر أن هذه الجدران ما هي إلاَّ بقايا مبنى قديم يحتمل أن يكون معبداً نظراً لطريقة أسلوب بناء الحجـارة ، وهي تكاد أن تكون طريقة واحدة في بناء جدران المعابد في مختلف أراضى الدولة القتبانية التي كان هذا الموقع أحد ممتلكاتها ، وقد عثر على نقش في هذا الموقع كتب بخط المسند ولكنه تالف لم يبق منه سوى بعض الحروف المسندية ؛ ونتيجـة لأهميـة وادي تبن مُنذُ العصور القديمة فيحتمل أن يكون موقع دار العرائس هو واحد من بقايا مدن الوادي إن لم يكن حاضرت.

2- كود امسيلة : يقع كود امسيلة في الضفة الشرقية من الوادي الكبير وجنوبي مدينتا الحوطة والوهط ، ولفظة كود تعني أكمة أو تل ، أمَّا امسيلة فهي السائلة وحرفي الألف والميم في لهجة منطقة لحج تقابل أل التعريف ، وقد أطلق المؤرخ اللحجي " أحمد بن فضل العبدلي " في كتابه " هدية الزمن " ، على كود امسيلة اسم - اللخبة - لتشابه أوصافه مع ما جاء على لسان " بن المجاور " في كتابه " صفة بلاد اليمن " ، واللَّخَبة اسم قد تكرر في عدة مناسبات في المصادر الإخبارية أهمها تلك المعارك التي دارت بين الملك المنصور " عبدالله بن أحمد بن إسماعيل " ( 827 - 831 هجرية ) وعمه الملك الظاهر " يحيى بن إسماعيل " ( 831 - 842 هجرية ) للسيطرة على مدينة عدن في ( الربع الأول من القرن التاسع الهجري ) ، وقد نقلت معظم المصادر أخبار تلك المعارك عن " الخزرجي " وعن " الجندي " أحياناً وتوحي تلك المصادر أن لهذا الموقع أهمية استراتيجية واقتصادية خاصة بالنسبة لمدينة عدن ، فقد كانت تقيم أو تعسكر فيه الجيوش الغازية استعداداً للزحف على مدينة عدن ، وتعود إليه حين تضطر الظروف للتقهقر ، وفيه تقام مخازن بالمؤن والغذاء وقيادة الجيش لتمد القوات المرابطة حول عدن بالمؤن والغذاء ، إضافة إلى حماية الجيش من الخلف تحسباً لأي هجوم مباغت ، ولا يذكر " بامخرمة " أنه عرف هذا الموقع ولكنه نقل عن " بن المجاور " أنه يبعد عن مدينة عدن حوالي ( فرسخين إلاَّ ربع ) ، وكتب " بامخرمة " عن الموقع أنه كان قرية عامرة ينقل منها الآجر والزجاج إلى مدينة عدن ، وكان بها دكاكين ومعاصر للزيت ، زيت الجلجل أو الجلجلان - السمسم - وكان يسكنها جماعة من الأهـدوب ، والعقارب وغيرهم ، ولم تزل عامرة إلى أن استولى على مدينة عدن الشيخان "عامر" و" علي " أبناء الشيخ " طاهر بن داود " ، وكان قُطاع الطرق من الطوالق وغيرهم ينهبون الناس من أمصادة - وأمصادة اشتهرت كمأوى لقُطاع الطرق وشذاذ القبائل - ثم يأوون إليها وانتقل بعض أهلها إلى مدينة عدن وبعضهم إلى السيلة والوهط وغيرها ، ولعل الموقع اختفى قبل أن يدركه " بامخرمة " في ( القرن التاسع الهجري ) ، وكود امسيلة الآن عبارة عن مجموعة تلال تنتشر على سطحه الشقافات الفخارية ، والآجر ، والزجاج ، وإلى جانبه الكثير من المجاهيل- جمع مجهالة -، وهي الموقع الأثري القديم الذي يمثل تل أو أكمة ، غالباً ما تعلوه شقافات فخارية تجعل سطحه ذو لوناً مُحمراً ، ويطلق عليها الاسم ، أما لكونها مجهولة التاريخ أو أنها منسوبة إلى الجاهلية لقـدمها ، ويطلق عليها - أيضاً - اسم المشقافة ، والشقف قطعة الفخار ، وكذلك اسم العادية نسبة إلى قوم عاد.

(ب) المستوطنات السكنية المندثرة - مدينة الرعارع - : مدينة الرعارع هي عبارة عن موقع أثري قديم ، تقع شمال مدينة الحوطة على بعد حوالي ( ثلاثة كيلومترات ) ؛ على الضفة الغربية للوادي الصغير ، وهي عبارة عن أكمة أو تله مستطيلة الشكل تقريباً أبعادها ( 86 × 198 متراً ) ، ترتفع عن سطح السهل فيما بين ( 5 - 8 مترات ) ، وارتفاعها هذا جعلها تشرف على بساتين النخيل المحيطة بها ، وتنتشر على سطح تلك التله الشقافات الفخارية المصقولة ، وبقايا أواني زجاجية ملونة ، وأساور زجاجية ملونة - أيضاً - .

وتدل بقايا المستوطنة التي كانت فيها مبانٍ مبنية بالآجر ، يرجع آخر تأريخ لاستيطان الموقع إلى ( القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي ) من خلال " العملات البرونزية " التي عثر عليها في السطح ، وتشير معظم المصادر التاريخية الإخبارية أن مدينة الرعارع كانت عاصمة مخلاف لحج ، وكانت محور شهرتها تلك الواقعة المشهورة المتمثلة في حرب التصفية بين " آل بني زريع " في ( منتصف القرن السادس الهجري ) حيث دارت المعارك بين الداعي " سبأ بن أبي السعود " ، و" علي بن أبي الغارات " وهما من " آل زريع " ، فبعد أن توفى " أبو السعود " الذي كان يحكم ميناء ومدينة عدن وأراضي لحج ، خلفه في منطقة نفوذه ابنه " سبأ " ثم ابنه " محمد " ثم أخوه " علي بن أبي الغارات " ، وهو صاحب حصن الخضراء والمستولي على ميناء ومدينة عدن ، أمَّا الداعي " سبأ " فكان له حصن التعكر على ميناء ومدينة عدن ، وحصن الدملؤه ، وسامع ، ومطران ، وذبحان ، وأجزاء أخرى من المعافر وبعض الجند ، وقد كانت أعماله كبيرة وواسعة وقد توترت العلاقات بين الداعي " سبأ بن أبي السعود " ، وعمه " علي بن أبي الغارات " بسبب التصرفات السيئة التي حصلت من عمال " علي بن أبي الغارات " واعتدائهم على عمال الداعي " سبأ " وإفسادهم ، وقد أدى ذلك الأمر إلى حروب بين الطرفين ، وكان " علي بن أبي الغارات " يتخذ في هذا الوقت من مدينة الرعارع عاصمة له ، وبدأت الحروب مُنذُ محاولة الداعي " سبأ " احتلال مدينة الرعارع لتأديب عمه " علي بن أبي الغارات " ، وظلت هذه الحروب فترة زمنية طويلة أطلقت عليها المصادر التاريخية الإخبارية - فتنة الرعارع -، والتي انتهت بانتصار الداعي " سبأ " الذي دخل مدينة الرعارع منتصراً ، ثم تعرضت مدينة الرعارع للنهب والتدمير من قبل " مهدي بن علي الرعيني " الذي أغار على مخلاف لحج مرتين متتاليتين ، قتل خلالهما الكثير من أهل لحج وسبى نساءهم وأموالهم الجزيلة ، كان ذلك في عام ( 558 هجرية ) ؛ ولكن تم إعادة عمارتها من جديد لنجدها - أيضاً - في نهاية دولة الطاهريين ( في الربع الأول من القرن العاشر الهجري ) قد تعرضت للتدمير ، فبعد أن شعر الطاهريون أن العثمانيون - الأتراك - قد تغلغلوا في البلاد ، وبدءوا يقلصون نفوذ الدولة الطاهرية لدرجة أنهم اقتربوا من عاصمة الطاهريين المقرانة في مدينة رداع ؛ فما كان من الطاهريين إلاَّ أن وجهوا قبيلة الهياثم التي كانت تستوطن أبين إلى لحج لحفظ الأمن فيها ولحمايتها من العثمانيين ؛ وبالفعل توجهت قبيلة الهياثم إلى لحج ووصلت إلى جوار مدينة الرعارع ، وابلغ نائب الطاهريين في مدينة الرعارع بالأمر ، وعند وصولهم إلى لحج ، طلبوا منه أن يزودهم بالغذاء والمؤونة ، ولكنه تخاذل ولم يصدق ذلك فهرب إلى مدينة عدن وعلى إثرها اجتاحت قبيلة الهياثم مدينة الرعارع ونهبوها بقيادة " مجرب بن حيدره بن مسعود الهيثمي" ؛ ولم يكتفوا بذلك بل توجهوا - أيضاً -إلى مدينتي بني أيبة العليا والسفلى اللتان تقعان غرب مدينة الرعارع ، على الضفة الشرقية للوادي الكبير، فنهبوهما ودمروهما فما كان من سكان مدينة الرعارع ، وسكان مدينة بني أيبة - التي حرف اسمها أخيراً إلى ( ميبة ) - ، إلاَّ أن هربوا إلى حوطتي سفيان وبلجفار ، وتدهورت مدينة الرعارع ، وكانت هذه بداية النهاية لها حيث تحولت العاصمة إلى حوطة بلجفار ، ولم يعد لها ذكر بعد ( القرن الحادي عشر الهجري ) ، ونقل منبر جامعها إلى جامع السيد " عمر بن عبد الله المساوي " الذي قام ببناه السيد " عمر بن عبدالله " في مدينة الحوطة عام ( 1083 هجرية ) ، وكان نهاية جامعها يعني نهايتها كمدينة مستوطنة .

(ج) مدينة الحوطة - حوطة بلجفار: بدأ تاريخ مدينة الحوطة كعاصمة مُنذُ تدمير مدينة الرعارع في أواخر عهد الدولة الطاهرية ، وعندما دخل العثمانيون مدينة عدن تحولت العاصمة إلى حوطة بلجفار، فتدهورت مدينة الرعارع ولم يعد لها ذكر بعد ( القرن الحادي عشر الهجري ) ، إلاَّ أن " أحمد بن فضل " في كتابه " هدية الزمن " يرى أن أول من اتخذ مدينة الحوطة عاصمة للحج هم " عمال الإمام المتوكل والإمام المنصور " ، ويؤكد على ذلك بأن لهم دارين فيهما هما " دار حُمادي " و " دار عبد الله " المعروفان بموضعيهما إلى الآن في مدينة الحوطة ، ولما استقر فيها فيما بعد الشيخ " فضل بن علي العبدلي" عام ( 1145 هجرية ) أقرها عاصمة للحج وعاصمة لملكه ، وقد نقل عائلته من قرية المجحفة إليها ، وكان فيها أحد عشر مسجداً وثلاثون بئراً للشـرب ، وأشهر مساجدها " مسجد السيد عمر بن عبد الله بن حسين المساوي " ، و " مسجد الدولة " ، و " مسجد الشيخ الحسين بن أحمد المساوي " ، الذي يقع في حارة المساوي وقد بناه السيد " حسين بن أحمد المساوي " عام ( 892 هجرية ) وبه قبره ، ويعتبر من أقدم أبنية مدينة الحوطة ، وهو رجل صالح كانت تقام له زيارة حولية في السابع عشر من ربيع ثاني ، إلاَّ أنها توقفت عقب الاستقلال في عام ( 1967 ميلادية ) ، و" مسجد راجح " ، وهو مسجد حديث بني في وسط مدينة الحوطة ، و" مسجد بليل " وهو مسجد قديم في حارة عبد الله ، وقد رمم من قبل الأمير " عبد الله بن محسن العبدلي " ، ثم تلته ترميمات أخرى بمادة الإسمنت أفقدته معالمه القديمة وتاريخ بنائه غير معروف بالضبط ، و" مسجد الشيخ سعيد " الذي يقع في حارة " الشيخ سعيد " بني في عام ( 991 هجرية ) ، و" مسجد قيضاء " ، وهو مسجد بناه الشيخ "محمد أبوبكر السقاف" ولكن تاريخ بنائه غير معروف ويحتوي في داخله على بعض القبور التي لا تحتوي شواهدها على كتابات عن أصحابها ، وتشتهر مدينة الحوطة إلى جانب مساجدها بأضرحتها حيث توجد فيها العديد من الأضرحة لبعض الصالحين ، أهمها ضريح الصالح "مزاحم" بلجفار الذي تنسب إليه "حوطة بلجفار"، وهو رجل صالح تقام له زيارة حولية في شهر رجب ، وتلك الزيارة تعتبر من أعظم المناسبات الدينية الحولية في لحج ، فالتجار ينتظرونها بفارغ الصبر كموسم للخير ؛ حيث تصل الوفود من كل صوب من القرى المجاورة ، وتروج سلعهم المتعددة ؛ لذلك صار صباح اليوم التالي للزيارة وعداً وأجلاً لقضاء الدين فيقال إلى صبيحة رجب ؛ والمراد صبيحة اليوم التالي لزيارة رجب حيث تتم في اليوم الأول طقوس دينية عند ضريح ، تبدو أشبه بتلك الطقوس التي تقيمها القبائل الآن في أفريقيا يتخللها المشي على النار ، وطقوس سحرية غريبة لا مجال هنا لشرحها.

ومن أهم المواقع والمناطق الأثرية والتاريخية والسياحية في مدينة الحوطة هي :-

1- قصر السلطان : أبرز معالم مدينة الحوطة حالياً قصر " السلطان عبد الكريم بن علي بن عبد الله العبدلي " ، قام ببناءه عام ( 1347 هجرية ) ، يقع إلى اليمين من ساحة السوق ، الذي ينتهي إليه الطريق القادم من مدخل مدينة الحوطة باتجاه عدن ، وهو عبارة عن قصر كبير بني بهيئة ( حرف L ) ، وأمامه ساحة كبيرة تتوسطها نافورة ، وقد بني بطراز يشابه مبانٍ الشرق الأقصى ، ويشابه - أيضاً - قصر " السلطان عبد الكريم فضل " الذي بناه في كريتر عدن ، كما يشابه قصر القعيطي في مدينة المكلا ، ويتكون هذا القصر من ( ثلاثة أدوار ) ، وهو من أجمل مبانٍ مدينة الحوطة على الإطلاق ، ودوره الثالث يشغل حالياً متحف مدينة الحوطة .

2 - المسـجد الجـامـع ( عمر بن عبدالله المساوي ) :

يعتبر من أهم مساجد مدينة الحوطة ، بناه " السيد عمر بن عبدالله المساوي " في عام ( 1083 هجرية ) ، ونقل منبره من جامع مدينة الرعارع ، ثم جدده ووسعه " السلطان عبد الكريم فضل بن علي محسن العبدلي " عام ( 1348 هجرية ) حتى صار من أجمل وأفخم مساجد اليمن ، يحتوي على قبة متميزة بزخارفها الخارجية والداخلية الجميلة يتكون من طابقين - دورين - ، استغل الدور الأول كمحلات ، يستخدم ريعها كوقف للجامع ، أمَّا الجامع ففي الدور الثاني وقد زخرفت واجهته الخارجية بطراز الفنون الإسلامية التقليدية ، وله مدخلان ، الأول : في جداره الجنوبي ، والآخر في جداره الشرقي ، وقد تم ترميمه أخيراً في عام ( 1970 ميلادية ) ترميماً كاملاً .

3- مسجد الدولة : بنى مسجد الدولة " السلطان أحمد محسن فضل " وجدده أخوه " محمد بن محسن " عام ( 1292 هجرية ) ، ويعتبر من أجمل المساجد في مدينة الحوطة ، والتخطيط الهندسي والمعماري للمسجد متأثر بفنون العمارة الإسلامية في بلدان الشرق الأقصى ، وقد دفن إلى جوار المسجد بانيه السلطان " أحمد محسن فضل " ، كما دفن إلى جواره العديد من أمراء السلطنة ، أشهرهم ، " القمندان أحمد بن فضل العبدلي " ، ويقع هذا المسجد في قلب مدينة الحوطـة ، وتقع إلى جواره المنازل القديمة لعشائر السلاطين التي كانت تحكم السلطنة .

4- حوطة سفيان - ضريح سفيان - :-

يقع ضريح " الشيخ سفيان بن عبد الله " في مدينة الحوطة ، وتنسب الحوطة إليه فسميت حوطة سفيان ، ويوجد داخله قبره ، تقام له زيارة سنوية في السابع عشر من ربيع الأول ، ومشهده جميل ويقال له اليمنًّى والحصرى ، وكان " الشيخ سفيان بن عبد الله " عالماً متفقهاً مشتغلاً بالعلم ، تتلمذ على يده فقيه عالم اسمه "الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم المروني المغربي"، أمَّا تاريخ وفاته فهو غير معروف ؛ وتذكر بعض المصادر أنه عاش في ( القرن الثامن الهجري ) ، ولم تذكر تأريخ ميلاده ووفاته ، ومازال يسكن من نسل " الشيخ سفيان " حتى الآن في " حوطة سفيان " ، وقد تم هدم وتخريب ضريح " الشيخ سفيان " عام ( 1994 ميلادية ) ، ولم يبق منه سوى منارة المسجد .

د - قرية "صبر- لحج ": تقع قرية صبر شمال مدينة عدن على بعد حوالي ( 20 كيلومتراً ) ، على الطريق الإسفلتي الممتد من مدينة عدن إلى مدينة الحوطة ، وقد توافد العديد من العلماء الأثريين إلى موقع قرية " صبر - لحج " مُنذُ مطلع ( القرن التاسع عشر الميلادي ) بعد أن كشفت عنه المسوحات الجوية التي قامت بها الدولة البريطانية في عام ( 1932 ميلادية ) أثناء احتلالها المحافظات الجنوبية من الوطن - سابقاً -، وعلى إثر ذلك فقد زار هذا الموقع ( الإنجليزي - L .Belhaven ) وقدم دراسات عنه حيث أشار إلى أنه يتكون من مجموعة من التلال المتواصلة التي لا يمكن حصرها والتي تغطي سطحها شقافات الفخار ؛ مما أعطى لتلك التلال لوناً يبدو كالأحمر ، وهي ترتفع عن السهل حوالي ( 30 - 34 قدماً ) تقريباً ، ويذكر أن العثمانيين قد حفروا في عام ( 1917 ميلادية ) حفرة عميقة بلغ عمقها حوالي ( أربعين قدماً ) في إحدى تلك التلال ولكن الفخار لم ينته بمعنى ؛ أن هذا الموقع يبدو أعمق من ذلك ممَّا يدل على قدمه التاريخـي ، وأعطى حينذاك عمراً تقريبياً للموقع ، وهو ما بين ( القرنين السادس والخامس قبل الميلاد ) ، ثم زار الموقع بعد ذلك ( الأمريكي - W.F. Albright ) وتلاه ( الإنجليزي - Brian Doe ) في مطلع ( عقد السبعينات من القرن العشرين الميلادي ) ، والأهم من ذلك الدراسات والأبحاث التي قامت بها البعثة الأثرية اليمنية الألمانية الروسية المشتركة خلال الأعوام ( 1994 - 1998 ميلادية ) حيث قامت خلال تلك الأعوام بحفريات أثرية مكثفة في قرية صبر كشفت عن أهم موقع اثري في الجزيرة العربية حيث يعود تاريخه من خلال المعطيات الأولية إلى ما بين ( 1000 - 1500 عاماً قبل الميلاد ) .

وموقع قرية صبر غني بمحتوياته الأثرية أكثر من أي موقع آخر في اليمن وتتنوع المكتشفات الأثرية التي تم العثور عليها في الموقع ما بين أواني خزفية ودمى فخارية بأشكال بشرية وحيوانيـة ، والموقع كان عبارة عن مجمع مصانع لإنتاج الفخار ، أما الحضارة التي كانت تتبعها قرية صبر فهي من الحضارات الساحلية ، ويعتبر أكبر المواقع الحضارية الساحلية في الجزيرة العربية ، أما المنشآت التي مازالت بقاياها قائمة فهي مبانٍ مبنية من اللبن متواصلة ببعضها لدرجة يصعب معها معرفة الأجزاء القديمة من الحديثة ، وقد عثر على لقي أثرية عبارة عن أواني فخارية جميلة جداً أهمها تلك التي كانت تستخدم غالباً كمسرجة حيث توضع داخلها فتيلة المسرجة لتخرج عبرها الإضاءة بأشكال هندسية رائعة .

هـ - قرية الهذابي " الزيادي " : تقع قرية الزيادي على الفرع الكبير من وادي لحج إلى الشمال الشرقي من مدينة الحوطة ، وكانت تلك القرية تسمى في السابق " الهذابي " ، وعندما قبر الرجل الصالح " الشيخ علي بن عمر الزيادي الكناني القريضي " عام ( 235 هجرية ) سماها أهل مخلاف لحج الزيادي ، يسكنها المحامرة وبعض من المساودة وغيرهم (1).

و- قرية المحلة : تقع قرية المحلة على الفرع الكبير من وادي لحج ، جنوب غرب مدينة الحوطة ، يسكنها " آل ثبتان " ، و" آل أبي سعد "، وفيها ضريح " الشيخ عبد الله بن الحسن " ، وهو شقيق " القاضي أحمد بن الحسن " الذي يقع ضريحه في قرية القاضي التابعة لمديرية طور الباحة ، ويلقب الأهالي " الشيخ عبدالله " بـ " الجوهري " ، تقام له زيارة في شهر جماد الآخر من كل عام ، تتم خلالها طقوس للزيارة منها مآدب الأكل لمدة خمسة أيام يمولها أحد قاطني قرية المحلة تبركاً بذلك الشيخ الصالح ؛ إلا أن تلك الزيارة توقفت ، كما أن سقف الضريح الخشبي قد تعرض للهدم مؤخراً ، إما جدرانه فما زالت قائمة ، وتظهر على الجدران من الداخل كتابات بخط الثلث وزخارف إسلامية قوامها تفريعات وأوراق نباتيـة ، وأشكال هندسية متداخلة ، لقد أقيم ذلك الضريح على تله مرتفعة قليلاً عن السهل الذي أقيمت فيه القرية مما زاده هيبة وقدسية ، وكأنه حارس يحمي القرية .

ز- قرية الوهـــط : تقع قرية الوهط على الوادي الكبير من وادي لحج شمال " بير أحمد " ، اشتهرت بكثرة مساجدها وأضرحة الصالحين والعلماء المقبورين فيها ، ولم يرد ذكر اسم قرية الوهط قبل ( القرن التاسع الهجري ) في المصادر التاريخية ، ويحتمل الأستاذ " محيرز " أنها كانت تحمل اسماً آخر غير الوهط ومن أهم مساجدها وأضرحتها :-

1 - مسجد وضريح الشيخ الصالح " عبد الله بن علي بن حسين بن علي " : قام هذا الشيخ الصالح ببناء المسجد أثناء حياته ، توفى عام ( 1037 ميلادية ) كما يفيد النص الكتابي المدون على ضريحه المقام داخل المسجد ، ذلك الضريح الذي تقام له زيارة حولية في الرابع عشر من شهر رجب ، من قبل أهالي قرية الوهط والقرى المجاورة ، والمسجد عبارة عن مبنى مربع الشكل تقريباً لا يتسع لعدد كبير من المصليين .

2 - مسجد وضريح الشيخ الصالح " عمر بن علي " : وهو أحد أحفاد الشيخ الصالح " السيد علي بن أبي سكران بن عبد الرحمن السقاف " وهو الشيخ الصالح الذي قدم من موطنه الأصلي من تريم حضرموت إلى قرية الوهط ، بنى الشيخ الصالح " عمر بن علي " هذا المسجد في حياته ، وتوفى عام ( 899 هجرية ) وهو التاريخ المدون على ضريحه الذي حفر في داخل المسجد ، وتقام له زيارة في يومي الرابع عشر والخامس عشر من جماد الأول من كل عام ، ويتميز هذا الضريح عن غيره من أضرحة قرية الوهط أن وفوداً كثيرة تقدم من منطقة أبين يومي الزيارة .

3- مسجد الشيخ الصالح " علي بن زين " : هو عبارة عن مسجد يحوي بداخله ضريحاً للشيخ الصالح " علي بن زين " ، وقد بنى هذا المسجد الشيخ " علي بن زين " في حياته ، ثم قام أهالي قرية الوهط ، ببناء الضريح للشيخ وقد هدم الضريح تماماً ولم يبق منه سوى المسجد الصغير .

4- مسجد وضريح الشيخ الصالح " أحمد يحيى قيدار" : بنى هذا المسجد الشيخ " أحمد قيدار " ، وهو الاسم الذي يحمله هذا المسجد حتى الآن كبقية مساجد قرية الوهط التي تحمل أسماء المشايخ الصالحين الذين قاموا ببنائها ، إلاَّ أن تاريخ بناء هذا المسجد غير معروف ، إضافة إلى أن قبره الموجود داخل المسجد لم يكتب عليه تأريخ وفاته .

5 - مسجد الشيخ الصالح " الحبيشي " : بنى هذا المسجد في عام ( 1935 ميلادية ) على ضريح الشيخ " الحبيشي " الذي لا يٌعرف متى توفى لأن قبره لا يحتوي على أي كتابات تدون تاريخ وفاته ، وكذلك اسمه – كاملاً – يعرف عند الأهالي بأنه ضريح " الشيخ الحبيشي " تقام له زيارة في يوم الرابع عشر من شهر جماد الأول من كل عام .

تلك هي أهم مساجد وأضرحة قرية الوهط أو كما يطلق عليها مؤخراً مدينة الوهط التي تشتهر حالياً بصناعة الحلوى المحلية والتي تصنع بطريقه خاصة ، اشتهر بها أهل مدينة الوهط وتسمى تلك الحلوى بالمضروب .

</P>

عبير الود 05-03-2012 08:21 PM

رد: لحج عبر الزمن
 
اثراء تاريخي رائع ياطفل المعجزة

جميل هذا الاهتمام بالتراث وتوثيق تاريخنا الرائع

كل الشكر على المجهود الرائع اخوي

حفظك الرحمن

فريد العولقي 05-03-2012 08:25 PM

رد: لحج عبر الزمن
 
سلمت يمناك طرح مفيد جداً
كل الشكر...........

التاريخ الجديد 05-04-2012 12:31 AM

رد: لحج عبر الزمن
 
يعطيك ألف عافيه على طرحك الرائع
ننتظر جديدك بكل شوق
ولا حرمنا الله هذا الإبداع
تحيتي لك

المهلهل 05-04-2012 12:50 AM

رد: لحج عبر الزمن
 
يعطيك العافية اخي طفل المعجزة على السير بطرح حضارات موطنك ومدنة التاريخية
ولحج مدينة عريقة عُرفت بأصالتها وتاريخها
يعطيك العافية

الباشا زوبعة نت 05-05-2012 07:07 AM

رد: لحج عبر الزمن
 
روعه اخي تاريخ كبير للحج

تحية

طفل المعجزة 11-03-2012 07:18 PM

رد: لحج عبر الزمن
 
اشكركم على تواضعكم ومروركم الى صفحتي المتواضعة
واعذروني على التأخير في الرد بسبب الدراسة والنوم المبكر ههه


أ‡أ،أ“أ‡أڑأ‰ أ‡أ،أ‚أ¤ 12:59 PM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir